الدعوة إلى الله تعالى يتطلب جهود مكثـفة لمواجهة الهجمات والمؤامرات التي تحاك ضد الإسلام والمسلمين تحت أسماء مزخرفة ما أنزل الله بها من سلطان، مثل مؤتمرات التنمية والسكان، ومؤتمرات تحرير المرأة، ومؤتمرات مكافحة الإرهاب و..... وناهيك عن الأفكار السياسية والنظريات التي تجعل من الإسلام العدو الأول للغرب ويجب التصدي له بكل الطرق، وخاصة أفكار هنتجتون وفوكوياما في كتابيهما صراع الحضارات ونهاية التاريخ. الشاهد لأحوال المسلمين اليوم وخاصة الدول والحكومات يراهم مثل المستيقظ في الظلام والنائم في النور، بعيد عن الواقع مشغول بسدة الحكم وعدد السنوات التي يقضيها في الحكم، مشغول بالتصفيات الداخلية من توسعة سجون وتضييق على أهل والفكر وحرية التعبير، وإذا نودي أو لمّح إلى جمع الصفوف أو لمّ الشمل انهالت مئات التبريرات والأعذار لعرقلة ذلك، ومن ثم عدم التفكير في الموضوع مرة أخرى. ومن خلال تأملاتنا في قصة الرسل الثلاثة رأينا كيف أنهم توحدوا في أبلاغ دعوتهم إلى أهل القرية ( فََعزّزنا) لمواجهة قوة الباطل وعنادهم، ليكون التأثير أقوى والبلاغ أبين والحجة أوضح.... فكان همهم هو التبليغ بالأسلوب الواضح المبين مهما كانت المواجهة ومهما كانت الظروف. قال تعالى : ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ. إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ.قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ. قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ. وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِين. قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيم .قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ﴾ يس : ( 13-19 ) . { وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ } . 1- ما من قرية إلا ولها نذير يدعوهم إلى الله تعالى. 2- عدم ترك القرية على حالها من الكفر والشرك، لكي لا يكون لهم حجة يوم القيامة. 3- الرسل جاءوا إلى أهل القرية عامة وإلى أصحاب القرية من كبراء ورؤساء خاصة، لأن بهداهم قد يهتدي أكثرية القوم، إن لم نقل كلهم . 4- مصطلح القرية يطلق على التجمعات الكبيرة من الناس، التي تتوفر فيها وسائل العيش السعيد والتي تليق بزمانها. 5- الكبراء هم المتحكمون في شؤون وأمور القرية وهم المتسلطون فيها. 6- منع الكبراء من وصول الدعوة إلى غيرهم، والقيام بتفعيل العقبات ووضع الحواجز وإثارة الشبهات والفتن لإعراض الجماهير عن الدعوة ورجالها. { إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا}. 1- يحتاج تبليغ الدعوة إلى جهد وتكاتف، وإلى أكثر من طريقة ووسيلة لسهولة الوصول إلى الأهداف، واختصار الوقت. 2- ( اثنين) واحد يساند الآخر، ويتعاونان في تبليغ الرسالة. ( اثنين) قد يعني تقسيم القرية، كل في طرف. (اثنين) تفعيل وزيادة النشاط لتقليل الوقت والجهد في التبليغ. (اثنين) واحد يذكر الآخر ويعضده لعناد أهل القرية. ( اثنين) تحمل الرسولين إعراض أهل القرية وعدم قيامهما بالرد عن أنفسهم . { فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ } 1- تقوية جبهة الرسل الكرام بالمساندة والمؤازرة لمواجهة عناد أهل القرية وكفرهم . 2- التأكيد على تبليغ الرسالة، لكي لا يكون لأهل القرية حجة بعد ذلك . 3- دلالة على وجود معارضة شديدة وعنيفة . 4- دلالة على أن العقاب بات وشيكا وهذا هو الإنذار الأخير لهم . 5- دعوة على توحيد الصفوف لمواجهة الباطل، ونبذ التبليغ متفرقين. 6- حرص الرسل على هداية أهل القرية ونجاتهم من النار . 7- دلالة على كثرة شبهات وتساؤلات أهل القرية . { فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ } بصوت واحد وبهمة عالية وحرص على هدايتهم، وليشهد القاصي والداني، والحاضر والغائب، وليخترق هذا النداء حجاب الزمان والمكان، ولتعلموا يا قوم إنا إليكم وحدكم مرسلون من فبَل الله تعالى وإنذاركم عذابه إن لم تؤمنوا بدعوتنا . { قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا} 1- صوت يتكرر منذ فجر التاريخ وإلى نهاية الدهر مقياس خاطئ يقيس به المعرضون عن دين الله تعالى، يخدعون به أنفسهم والآخرين، وهو معارضتهم على بشرية الرسل الكرام للهروب من الواقع والدفاع عن باطلهم، لهذا قالوا سخرية واستهزاءً ما هؤلاء إلا رسل من بني البشر ولا يجوز إلا أن يكونوا من الملائكة، وهذا عنوان ضعفهم الداخلي وانهزامهم النفسي . 2-رسل من جنسهم ومن بني قومهم يتكلمون كلامهم، يأكلون وينامون ويشربون ويتزوجون، ولو كان الرسل من غير طبيعة البشر لكان الإعراض أشد والرفض أقوى لأن الطبيعة الجسمانية تختلف. { وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ} 1- اعترافهم بوجود إله اسمه الرحمن، وأنه يبعث بالرسل. 2- الكذب وعدم تصديقهم بما جاء به الرسل، وتأكيدهم على الكذب في المواجهتين الأولى والثانية. 3- اعتقادهم الجازم بأن الرسل الثلاثة كاذبون، لأن كلامهم جديد على مسامعهم ولم يألفوه، ولأنه يخالف هواهم ومعتقداتهم. { قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ}. - تأكيد آخر على صدق دعوتهم وصدق غايتهم، وإننا صادقون يا قوم، إن أنتم تكذبوننا فإن الله تعالى يعلم إننا لصادقون وإنا إليكم مرسلون، فما قيمة تكذيبكم فما يهمنا ما تقولون .... { وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِين } 1 - هذا هو واجب الرسل والدعاة فقط التبليغ بالحسنى وبكل الطرق المتاحة والوسائل الممكنة والمناسبة لذلك العصر، دعوة إلى نشر الفكر الوسطي المعتدل البعيد عن العنف والتطرف والإرهاب ويحتاج ذلك إلى أساليب واضحة لا غبش فيها ولا غموض ليكون الناس على بيّنة من تلك الدعوة، وليرفع عنهم التوجس والخوف ويصبح هم بعد ذلك مدافعين عن الفكرة والدعوة بعد أن تيقنوا أن البيان الواضح قد استقر في قلوبهم وعقولهم واطمئنوا على ذلك . 2- فقط علينا البلاغ لكي نتخلص من عذاب الله تعالى إن تهاونا وتكاسلنا، وليس لنا أن نجبركم على أن تؤمنوا بدعوتنا لأن هذا ليس من شأننا، لأن الإيمان بشيء بالإكراه ينقلب بعد زوال العامل المسبب أو حين توفر فرصة إلى الضد، لذا فالأسلوب الأحسن هو إقناع العقول وفتح مغاليق القلوب بالخطاب الجميل السلس والقوي بالأفكار والحجج. { قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ} - لجأ القوم إلى الدفاع عن ضعفهم لعدم امتلاكهم القوة والبلاغة أمام الرسل الكرام إلى إلقاء اللوم والعتاب على الرسل لما أصابهم المصائب والمكاره التي حلت بهم والشؤم الذي أصابهم، معتقدين أنه لولا الرسل لما أصابهم ما أصابهم . { لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيم } - هنا لجأ القوم إلى أسلوب التهديد بالرجم والتعذيب إن هم لم يكفوا عن دعوتهم أو يدخلوا في ملتنا؛ لأن الصبر نفذ وضاقت الأنفس والعقول، وليثبتوا للقوم أنهم ما زالوا أقوياء إذ ليس القوة في الكلام والحوار بل في العنف والترهيب والرجم والتعذيب . { قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ }. 1- الرسل على علم بأن الذي أصاب القوم هو سبب كفرهم وعنادهم على الذنوب والمعاصي، فتشاؤمهم ناتج عن خلل في اعتقاداتهم وتصوراتهم والإيمان بالخرافات والشعوذات، إذ كيف يصلح أن يكون الرسل هم سبب الشؤم والتطيّر (حاشا الرسل)، ولا يقول ذلك إلا من كان على قلبه غشاوة على أذنيه وقر. 
أضف تعليقا
من الأردن

أخي أبو جاسم
اللهم أصلح بالنا وبالكم
اللهم آمين .... يعطيك العافية على موضوعك القيم
بارك الله فيك وجزاك كل خير
اختك / كرووووووووووووووم
من الأردن

الاخ ابو جاسم
اشكرك على هذا الموضوع القيم فذكر ان الذكرى تنفع المؤمنيين ..والدعوة لله تحتاج الى صبر وارادة وتصميم ..وتغيير الافكار ايضا تحتاج الى جهد كبير من اجل احداث تغير الى طريق الصواب ...
بارك الله فيك
دمت بالف خير
من مصر

حبيب قلبى
ابو جاسم
×××
اوضحت ووفيت وما قصرت
وهذا حال اهل الكفر على مر الزمان
وعلى طول التاريخ . وجزاك الله خيرا
على ما قدمت لنا من معلومات صدق
كل سنه وانت والاسره والاهل جميعا
والمسلمين بالف خير وسعاده
×××
الفقير لله
الشرقاوى
اخي الحبيب ابو جاسم
أحييك على هذا المقال الشامل
مازلنا بحاجة شديدة للتوغل بالتاريخ وخاصة ذكرى الانبياء وسيرتهم العطره لان فيها الكثير من الحكم والمبادئ التي نصبوا باستمرار لفهمها كي نصحح مفاهيمنا ونوسع ادراكنا
تقبل اعجابي بطرحك
وكل عام وانت بألف خير
الكاتب
مدونة العربي الفصيح
الغالي ابو جاسم
اسعد الله صباحك بكل خير
وكل عام وانت بخير
سلمت يمناك وسلم نبض قلمك الذي لا يكتب الا كل ما هو خير ومنفعة وعبرة للمسلمين
بارك الله فيك ولك وعليك
وففقك لما يحب ويرضى
وادام عليك الصحة والعافية
لك كل الحب والتقدير
يافا
من الأردن

اخي الراقي ابو جاسم
بعد محاولات عديدة برغم استمرار الخلل الا اني بحمد الله استطعت الدخول لمدونتك
احييك على طرحك القيم
للاسف الزمان يعيد نفسه فأصبح اهل القرى اليوم كأهل القرى السابقين انتشر الفساد بعد ان كانوا محافظين و لا يتقبلون اي نصيحة او دعوة للاسف عدنا الى زمن الجاهلية الاولى و الفئة المتمسكة بدينها ينعتونها بالمتشددة و المعقدة و النعوت المختلفة هذا غير المضايقات الاخرى
أسأل الله الهداية للجميع و ان يرد المسلمين لدينهم ردا جميلا
دمت اخي بخير و دام مداد قلمكم المعطاء
وكل عام و انت بألف خير
ولك كل التقدير و الاحترام
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية



















من الولايات المتحدة
أخي أبو جاسم
جزاك الله خيراً على اختياركم هذا
كم هي امتنا بحاجه إلى الرسل هذه الأيام
طغى الملوك والحكام، والشعب يأكل وينام
لا حول ولا قوة إلا بالله.
تحياتي وتقديري
أبو مراد