دنيا ودين
القرآن الكريم دسنورنا

الــحـــفــــيـــــــــظ الأمـــــــــين و الـــقـــوي الأمـــــــــــين

 
 
عندما طلب سيدنا يوسف عليه السلام من الملك ان يجعله على خزائن الأرض قدم سيدنا يوسف مؤهلاته الصالحة للوظيفة
 
 
 
" قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ " (يوسف 55)، قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله في تفسير ذلك ( أي حفيظ للذي اتولاه فلا يضيع منه شئ في غير محله، وضابط للداخل والخارج، عليم بكيفية التدبير والاعطاء والمنع والصرف في جميع أنواع التصرفات وليس ذلك حرصا من يوسف على الولاية وإنما رغبة منه في النفع العام، وقد عرف من نفسه من الكفاية والأمانة والحفظ ما لم يكونوا يعرفونه، فلذلك طلب من الملك أن يجعله على خزائن الأرض وولاها إياه ) انتهى، فهذه الوظيفة تحتاج الى الحفيظ الذي يحفظ الغذاء من التبديد، ومن التسيب والمحسوبية، والوقوع في يد المحتكرين وهو قادر على القيام بهذه الوظيفة في أمانة عالية ويشرف عليها بنفسه لأخلاقه وإخلاصه، وهو عليم بكيفية حفظ المحاصيل في سنابلها، وكيفية وضعها في الحصن او المكمور، وعليم بما يفسدها ويصلحها، وعليم بأعراض الإصابة بالكائنات الحية الدقيقة والسوس وغير ذلك من المفسدات، وهذه الوظيفة تحتاج إلى الأخلاق والعلم، فصاحب الخلق من دون علم لا يصلح، وصاحب العلم بلا خلق لا يصلح، وفوق كل ذلك فقد كان على علاقة طيبة مع الملك ووضع خبرته تحت تصرف الملك وقال له الملك "إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ "(يوسف 54).

أي متمكن أمين على الأسرار، أي انه محل ثقة (من أهل الثقة) وفي الوقت نفسه من أهل الخبرة، وأهل الثقة من دون خبرة وعلم يفسد أكثر مما يصلح، وأهل الخبرة من دون الأمانة والثقة أيضا لا يصلح. إذاً علينا البحث عن أهل الخبرة الثقة، وأهل الثقة الخبير، وهذا الصنف من الناس متوافر ولكن البعض منهم يعزف عن تقديم نفسه وهذا خطأ، فقد قدم سيدنا يوسف نفسه للملك، وكسب ثقته وبين له خبرته.

وعندما رشحت ابنة الرجل الصالح في مدين سيدنا موسى عليه السلام عرضت على والدها مؤهلاته الصالحة للعمل في الرعي والحراسة والسقي، والصالحة للعيش معها ومع اختها وأبيها في أمان فقالت: " قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ " (القصص26).

فالأمين غير القوي لا يستطيع القيام بمهام هذه الوظيفة المحتاجة إلى القوي، والقوي غير الأمين لا يصلح للعيش وسط هذه الأسرة المؤمنة الملتزمة بدينها، وهذا معيار آخر يؤكد أهمية أهل الخبرة والمؤهلات وأهل الأخلاق والثقة. وقد اختارت السيدة خديجة رضي الله عنها الزواج من المصطفى صلى الله عليه وسلم لأمانته وصدقه ومقدرته على الحفاظ عليها، وعلى أموالها وتجارتها، فهو أهل ثقة لديها، وهو أهل خبرة سبق أن اختبرته عندما ذهب للتجارة في بضاعتها، وهو أمين صاحب حسب ونسب.

فعلينا إن أردنا إصلاحا لشئون حياتنا أن نختار أهل الخبرة صاحب الخلق وأهل الثقة صاحب الخبرة، وهذا ما تفتقده معظم الدول العربية التي ساد فيها أهل الثقة غير الأمناء من أنصاف المتعلمين وتوارى فيها أهل الخبرة، وهذا يبين خطورة الوثوق على أسرارنا مع الخبراء الأجانب أصحاب الخبرة، أصحاب المصلحة، منعدمي الأخلاق والدين .

وإذا أردنا إصلاح التعليم فعلينا أن نولي أهل الثقة من أهل الخبرة في مجال التعليم واذا أردنا إصلاح الاقتصاد فعلينا ان نولي أهل الخبرة في الاقتصاد والمشهود لهم بالاخلاق الحميدة، وقد بين ذو القرنين هذا الأمر فقال: (قال ما مكني فيه ربي خير) قال الشيخ عبدالرحمن بن السعدي رحمه الله في تفسير ذلك: فلم يكن ذو القرنين ذا طمع ولا رغبة في الدنيا ولا تاركا لإصلاح أحوال الرعية، بل قصده الإصلاح، فلذلك أجاب طلبهم (في بناء السد) لما فيه من المصلحة وشكر ربه على تمكينه واقتداره، فقال لهم (ما مكني فيه ربي خير) أي مما تبذلون لي وتعطونني، وإنما أطلب منكم أن تعينوني بقوة منكم بأيديكم (اجعل بينكم وبينهم ردما) أي مانعا من عبورهم عليكم ) انتهى.

هم طلبوا منه سدا، وهو بخبرته جعل لهم ردما، والردم أقوى وأقدر من السد على مجابهة الهزات الأرضية وعوامل التعرية وغيرها، وجعل الردم من الحديد والطين المحروق، ثم بعد ذلك غطاه بطبقة من النحاس ليحول دون تآكل الحديد بالعوامل الجوية، فهذا رجل عليم خبير أمين قال الله تعالى عنه : " إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً{84} فَأَتْبَعَ سَبَباً{85} " (الكهف) فهو متبع للأسباب الإلهية في الخلق ومتبع للعلم النافع الذي علمه الله تعالى له.

وهذا الصنف العليم الخبير التقي لا يقبل الرشوة ولا العمولات المسماة هذه الأيام بالهدايا فإذا أردنا إصلاحا لأحوالنا فعلينا بالتمكين العلمي الأخلاقي لأبنائنا، وبناء جسور الثقة والمحبة بين العلماء وأهل الخبرة والمتنفذين وأهل السياسة لنكون كما قال الملك لسيدنا يوسف"إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ "(يوسف 54وهذه دعوة قرآنية لمد جسور الثقة والإخلاص بين الخبراء والسياسيين حتى تستقر الأمور وتقل الفتن ويتفرغ كل لعمله واتقانه في ثقة وأمانة. إذاً الحل الأمثل لمشاكلنا : التربوية، والعلمية والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية وغيرها تكمن في اختيار الحفيظ العليم والقوي الأمين والمتبع لنواميس الله في الخلق (فأتبع سببا)، إذا فعلنا ذلك وطبقناه في حياتنا فسيقل الاهمال في الأعمال، والهدر في الأموال، والتخبط في المشاريع، والفساد في التنفيذ، والتسيب في العمل، واستغلال المال العام للمصالح الشخصية، وأتقن كل منا عمله، ولم يتكلم إلا فيما يفهم، ولم يعلم إلا ما يتقن، لحظتها سنحقق المعجزة التربوية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية والعلمية التي حققها عمر بن عبد العزيز وجده الفاروق (رضي الله عنهما) عندما اختار البنت الأمينة ليزوجها لعاصم ابنه جد عمر بن عبد العزيز حيث اختار له الزوجة الصالحة الأمينة التي أبت أن تغش اللبن وعندما قالت لها امها إن عمر لا يرى قالت البنت ولكن رب عمر يرى.
هذا درس لشبابنا  علينا دراسته .
 
نفعنا الله  واياكم  بما يحب ويرضى
 
ولكم تحياتي
==ابوجاسم==

(9) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 30 يونيو, 2009 05:59 ص , من قبل shahla56
من ماليزيا

سلمت جاري العزيز لما تبذله من جهد لتقديم كل ماهو مفيد وقد جعل الله سبحانه وتعالى في قصص القرآن عبر للبشر وهذه احدى اجمل قصص القرآن قصة يوسف عليه السلام وقد مكنه الله سبحانه وتعالى من خزائن الارض لكفاءة يملكها فهو حفيظ وقوي وامين شكرا جاري لمقالك.شهله


اضيف في 30 يونيو, 2009 07:13 ص , من قبل amoo2005
من فلسطين

اخي ابو جاسم عندي مشكلة بالمقال فالحروف الاولى من السطور فيه مقطوعة لم تظهر عندي ، اتمنى عليك اعادة صياغته ..

وجزاك الله كل خير على كل ما تقدم وادام عطائك المميز

تحياتي

ابو وديع


اضيف في 30 يونيو, 2009 07:26 ص , من قبل alshrawy
من مصر

حبيب قلبى
اخى ابوجاسم
×××
اوضحت بالتحليل وضرب الامثال

فلم تدع مجالا لسؤال ان يطرح نفسه

فقدمت مقالا كاملا مزينا بالعلم والعلماء

سعدت بحضورى فى ضيافتك . وشكرا

لكرمك فى زيارتى التى اشتقت اليها

كثيرا فدمت والاهل بالف خير وسعاده
×××
الفقير لله
الشرقاوى


اضيف في 30 يونيو, 2009 09:20 ص , من قبل alkateb63

السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
اخي العزيز ابو جاسم
بارك الله فيك وجزاك عنا خير الجزاء
وجعل العمل فى مدونتك الدينيه الخير
فى موازين حسناتك أنه سبحانه وتعالى
على كل شئ قدير
إلهي دسائس الشيطان خفية غامضة في نفس الإنسان، فوفقنا لمعرفتها.
آمين يا ربّ العالمين

مع تحياتي
الكاتب


اضيف في 30 يونيو, 2009 11:49 ص , من قبل huda71
من الأردن

اخي الراقي ابو جاسم

بارك الله فيك على التوضيح فعلا الامانة والقوة والدين والاخلاق كلها متلازمة حتى يكون العمل مثمرا وفي طاعة الله

جزاك الله كل خير وجعلها في ميزان حسناتك

دمت بخير ودام مداد قلمكم المعطاء

ولك كل التقدير والاحترام


اضيف في 30 يونيو, 2009 02:20 م , من قبل geegee
من مصر

وإذا أردنا إصلاح التعليم فعلينا أن نولي أهل الثقة من أهل الخبرة في مجال التعليم واذا أردنا إصلاح الاقتصاد فعلينا ان نولي أهل الخبرة في الاقتصاد والمشهود لهم بالاخلاق الحميدة

نور الله وجهك واكرمك
ليتنا نصلح مافسد
وجعلنا يقال عنا (العالم التالت ) ونحن اصحاب العلم والمعرف
تسلم يدك ابو جاسم
تحياتى لك
نجوى المصرية


اضيف في 30 يونيو, 2009 04:32 م , من قبل khald99
من الأردن

الاخ الغالي ابو جاسم
اسعدك الله دوما وانار دربك
وزادك من العلم كي بقى قلمك نابضا لنا
بالعلم ..

دمت بالف خير


اضيف في 30 يونيو, 2009 05:06 م , من قبل same82
من المغرب

السلام عليكم

اخي الغالي
انا جد مسرور لتواجدي
هنا في صرحك الشامخ هذا
والمفعم بكل ما نحن في حاجة
ماسة اليه في زماننا هذا
احييك على طرحك المفيد
وجزاك الله خيرا
تقبل سلامي وتحياتي

عــ الدين ــز.../


اضيف في 30 يونيو, 2009 10:35 م , من قبل bashir53
من الولايات المتحدة

أخي أبو جاسم

بارك الله فيك حفظك ورعاك وصانك

هذا درس للكبار والصغار وعلينا تطبيقه وليس فقط دراسته .

نفعنا الله واياكم بما يحب ويرضى.

تحياتي لكم

أبو مراد




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية